يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

212

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

العرش للشيء : كن ، فلا تبلغ الكاف والنون إلا ويكون الذي يكون ، فهذا يحمل على ما تقدّم من سرعة المكوّن ، ولا بدّ للمخلوقين من عبارة يفهمون بها مراد اللّه تعالى في السرعة ، فليس ثم أسرع ولا أوجز في اللفظ من كن كما تقدّم ، فقيل لنا ذلك لنفهم ، واللّه ورسوله أعلم . وقال النبي عليه الصلاة والسلام : إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ، حذار حذار من توهم جارحة أو تخيل تشبيه ، وإنما ذلك كناية عن السرعة أيضا في التقليب في كل جزء من الزمان على وقته ، ألم تسمع : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ [ الأنعام : 110 ] ، قيل : يقلبها من إيمان إلى كفر ، ومن كفر إلى إيمان . وكانت يمينه عليه السلام : لا ومقلب القلوب ، ويقول : يا مقلب القلوب قلّب قلبي على طاعتك ، وقال : لقلب ابن آدم أشدّ تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا ، أو كما قال عليه السلام ، ومعنى بين إصبعين : بين أثرين وأمرين ، كذا فسره أهل العلم ، وخص الاثنين لأن المعلوم عندنا في المخلوق إذا قلب شيئا بين إصبعيه إنما يقلبه إلى جهة اليمين أو إلى جهة الشمال وكذلك تقليب اللّه تعالى القلوب إلى الطاعة أو المعصية أو الكفر أو الإيمان ، فتكون أصحاب القلوب من أصحاب اليمين أو من أصحاب الشمال كما قال تعالى : فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 8 ) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ [ الواقعة : 8 - 9 ] ، وليس هناك مماسة ولا حاسة تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا . فائدة لغوية : ويستشهد على قوله بين إصبعين أي على أثرين بقول الشاعر أنشد ابن دريد : من يجعل اللّه عليه إصبعا * في الخير أو في الشر يلقاه معا وبقولهم : لراعي بني فلان على ماشيتهم إصبع ، أي أثر حسن ، وأنشدوا على هذا قول الشاعر يصف راعيا : صفيف العصا بادي العروق ترى له * عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا فائدة زائدة : يقال : إصبع وأصبع ، بكسر الألف وضمها والباء مفتوحة فيهما ، ولك أن تتبع الضمة فتقول : أصبع ، ولك أن تتبع الكسرة فتقول : إصبع ، ولغة خامسة أصبع ، بفتح الألف وكسر الباء ، وكذلك يقال : ابلم وأبلم وأبلم ، وكله جمع أبلمة ، وهي الخوصة ، وقس على هذا حديث القبضتين وذكر اليمين والشمال في ذلك إنما هو راجع إلى المخلوقين ، ألم تسمع في الحديث : وكلتا يديه يمين ، أدبا منه عليه السلام ، ونفيا لما عسى أن يقع في الأوهام ، نسأل اللّه الثبات إلى الممات والعصمة من الزيغ والنزغ .